ورشة ساعات يدوية تبيع الساعة بـ50 ألف استرليني

0
35
كريغ وريبيكا

في أحد الأزقة بحي الصاغة بمدينة “برمينغهام” البريطانية، يوجد باب أخضر اللون لا يوحي أبداً بما يخفي وراءه، ولا توجد أي لافتة توحي بماهية هذا المكان، باستثناء حلية نحاسية تشير إلى رقم المبنى.

والحقيقة أنه وخلف هذا الباب الأخضر العتيق يوجد عالم آخر، مكان جميل وأخاذ تديره شركة صغيرة تحت اسم “كريغ وريبيكا ستراذرز”، وهو عبارة عن ورشة صغيرة لصناعة الساعات اليدوية، أسسها الزوجان “كريغ” و”ريبيكا”.

يتكون المكان المزين بأثاث عتيق وأرفف للكتب من ثلاث غرف، أما الجدران فمطلية بلون أخضر داكن، اختارته “ريبيكا ستراذرز” بنفسها.

وفيما يوحي المكان بأجواء العصر الفيكتوري، لا يرى المار خارجاً أكثر من واجهة مصنع قديم تخفي وراءها تلك الورشة.

تقول “ريبيكا” إن أغلب الزبائن الجدد يأتون بناء على توصيات من المشترين، وحينما يصلون إلى المكان يشعرون أنهم وجدوا ضالتهم في ذلك المكان المتواري عن الأنظار، والذي يفاجئهم لحد بعيد.

حرفة لا تموت

تعتبر صناعة الساعات وتصليح القديم منها صناعة مغمورة بالنسبة للكثيرين، لكن هذا لم يمنع الزوجان “ستراذرز” من مواصلة إحياء تلك الحرفة الأصيلة.

وهما الآن بصدد إنتاج أول خمس ساعات مكتملة من الألف إلى الياء، لزبائن مستعدين لدفع 50 ألف جنيه إسترليني ثمناً للساعة الواحدة، وهي المهمة التي من المفترض أن تستغرق عامين للانتهاء منها، بدءاً بالشكل الخارجي لتلك الساعة، وانتهاء بالتروس الدقيقة التي لا غنى عنها لأي ساعة تقليدية.

مقالات قد تهمك ايضا  قريباً.. رحلات سياحية في الفضاء

قصة كفاح

استغرق الأمر 15 عاماً من الزوجين لكي يصلا إلى ما هما عليه الآن، تقلب فيها حظهما صعوداً ونزولاً، ولا يمكننا الإنكار أن على من يرغب في امتهان صناعة الساعات في القرن الحادي والعشرين، أن يكابد الكثير من الصعاب قبل بلوغ غايته.

لم تكن “ريبيكا” قد تجاوزت السادسة عشرة من العمر حينما التحقت بدراسة خاصة لمدة عامين بكلية لصناعة الحلي والمجوهرات بجامعة “برمينغهام سيتي”، حينها لم تكن تعتقد أن صناعة الساعات حرفة مناسبة لها، حتى أشار عليها زملاؤها بتلك الدراسة.

وفي تلك الأثناء وتحديداً في عام 2004، التقت “ريبيكا” بزوج المستقبل “كريغ”، وكان هو الآخر قد التحق بدراسة نظمها المعهد البريطاني للساعات بنفس الكلية.

يقول “آلان بيرتوفت” أحد كبار المدرسين بالمعهد، إن تلك المهنة ليست معروفة لكثيرين، بالإضافة إلى أن المعاهد المتخصصة في تدريس الساعات في بريطانيا تعتبر معدودة على أصابع اليد الواحدة، مثل “مدرسة صناعة الساعات البريطانية” بمانشيستر، و”كلية ويست دين لتصليح الساعات” قرب تشيشر، و”فصول مركز إيبينغ فوريست” قرب لندن، فضلاً عن المعهد البريطاني الذي يمتاز بتنوع مواده وتقديم فصول دراسية عن بعد.

ولعل ما ساعد “ريبيكا” في تلك المهنة أكثر، هو إلمامها بمهارات أخرى من قبيل تصنيف الماس وصناعة الحلي الفضية، ليس هذا فحسب بل إنها استفادت بحصولها على درجة الماجيستير في تاريخ الفن والتصميم لتحصل على الدكتوراه في فن الساعات بعد ذلك.

مقالات قد تهمك ايضا  اكتشاف هياكل حفرية لديناصور منذ 161 مليون سنة

أما “كريغ” فقد انضم للمهنة لاحقاً بعد أن أمضى فترة بالعمل في مجال تكنولوجيا المعلومات لدى الحكومة، وهو المجال الذي لم يجد نفسه فيه إطلاقاً، ويؤكد “كريغ” أنه كان مستعداً لعمل أي شيء لشدة كرهه لتلك الوظيفة.

وأثناء الدراسة، تمكن” كريغ” و”ريبيكا” من العمل في مجالات تخصصهم. وكانت أول وظيفة التحق بها الزوجان بالمجال لدى أحد الصاغة في “برمينغهام”، ووفقاً لـ”ريبيكا” فإن هذا العمل أتاح لها لأول مرة الاطلاع على أذواق مشتري الساعات.

مشروع خاص

بدء التفكير في مشروع خاص بهما، في مجال صناعة الساعات عملياً عام 2013، عندما فازا بجائزة “لونمين” للتصميمات الابتكارية عن ساعة على شكل قلادة قاما بصنعها من البلاتين، وأطلقا عليها اسم “ستيلا”.

في ذلك الوقت، كانا يعملان بالفعل في تصليح الساعات، غير أن تصميم الشكل الخارجي بالكامل لساعة أصلية مثل تحدياً صعباً لهما، حيث تقدما أولاً بالتصميم المقترح، ولم يحصلا بعد الموافقة عليه إلا على عشرة أسابيع لتجسيده، وكان ذلك بالنسبة لريبيكا “ضرباً من الجنون”.

تلي ذلك خمسة أعوام من الخبرة، الامر الذي بدأ يدر ربحاً على الزوجين، خاصة أن العملاء الخمسة الراغبين في استلام أول خمس ساعات يصنعها الزوجان بالكامل اتفقوا على دفع نصف المبلغ مقدماً، بمقدار 25 ألف جنيه استرليني عن كل ساعة، وبالنسبة لـ”ريبيكا” فتقول: “نعلم أنها مهمة كبيرة، غير أن لدينا زبائن مدهشين يولونا الكثير من الثقة!”.

مقالات قد تهمك ايضا  خد فكرة.. طرق مبتكرة لإعادة تزيين الأحذية القديمة

وتعمل مع الزوجين متدربة تدعى “هيذر فيشر” في التاسعة عشر من عمرها، وقد تم تعينها وهي لا تزال طالبة تدرس صناعة الساعات، وبعد انهاء دراستها الثانوية، تخصصت “هيذر” في الفن والنسيج والكمبيوتر.

أما الآن، فهي تتعلم تصليح الساعات، وتنظيفها، واستبدال الأجزاء التالفة، وهي تميل حالياً لامتهان تلك المهنة، وتنظر هيذر إلى فرصتها كمتدربة بنوع من التقدير، إذ أن تلك الفرص لا تأتي بسهولة، فزملاؤها يطرقون باب محال المجوهرات والساعات بحثاً عن مثل هذه الفرصة.

بالنسبة للزوجين “ستراذرز” فإن المستقبل واعد أمامهما وهما يعلمان أن عليهما التعلم أكثر لكي يطورا من مهنتهما ويحققا المزيد من النجاح.

وقد أدرك الزوجان منذ بداية مشوارهما أن عليهما استغلال ما أمكن من الوسائل لاكتساب المهارات اللازمة، وهو الأمر الواضح في الورشة التي تعج أدراجها بالأدوات التي اشترياها من موقع “إيباي” أو من المعارض، بل ومن أي مكان قد يصلان إليه.

 

ترك الرد

من فضلك اكتب تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا